حرب الجزائر على الفساد بلا هدنة

العرب أون لاين 6 فبراير 2010
لم تبد الجزائر في ما مضى من تاريخ دولتها الحديثة على مثل ما هي عليه اليوم من استنفار بوجه آفة تضاهي الإرهاب خطرا وتتفوق عليه في بعض المواضع، وهي آفة الفساد التي وجدت في ثراء البلد بالموارد وتشعّب نظمه الإدارية، ووضعه الأمني خلال حقبة التسعينات، وتحوله التدريجي من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق.. وجدت في كل ذلك تربة خصبة لتنبت وتتضخم كورم سرطاني في مفاصل كثيرة من جسد الدولة الاقتصادي والإداري.

وتنخرط في الحرب على الإرهاب اليوم أطراف عدة أمنية وسياسية وإدارية، ويبدو هدف القضاء عليه محل إجماع "أصحاب الأيدي النظيفة" بالبلد.
وخلصت قمةٌ لما يعرف في الجزائر بـ"التحالف الرئاسي" انعقدت أواسط الأسبوع، إلى التأكيد على أنّ محاربة الفساد عملية دائمة تستلزم تطبيقا صارما للقانون، بينما أعلن أحمد أويحيى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في ندوة صحفية عن تنصيب المرصد الوطني لمكافحة الرشوة نهاية الشهر القادم، معلنا أنّ الجزائر ستحارب الفساد مهما كان مستواه.
وفي البيان الختامي الذي توّج استلام حزب أويحيى لرئاسية التحالف الدورية من حركة مجتمع السلم، شددت تشكيلات حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي و حركة مجتمع السلم ، على دعمها لتعليمة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة المتعلقة بمكافحة الفساد، ودعت أحزاب التحالف إلى حماية الإطارات النزيهة من أن يساء إليها وأن يسبق القضاء حكم وسائل الإعلام في كل تحقيق يفتح.
وبشأن المرصد الوطني لمكافحة الرشوة، قال أويحيى إنه سيرى النور بالتزامن مع تدابير جديدة لمكافحة الفساد، حيث سيجري تأسيس هيئة وطنية ثانية مكلفة بالوقاية من الفساد ومكافحة الرشوة، كما سيتم تعيين مستشارين قانونيين " قضاة منتدبين" على مستوى الوزارات وسائر الهيئات الاقتصادية لمواكبة سيرورة الصفقات العمومية.
وألّح أويحيى على أنّ الإجراءات المستحدثة تأتي لتدعم المعركة التي شنتها الجزائر ولا تزال ضدّ الفساد، مشيرا إلى أنّ المصالح القضائية عالجت بين سنتي 2006 و2009 أكثر من أربعة آلاف قضية.
وشدّد أويحيى على أن الجزائر ستحارب الفساد مهما كان مستواه، وهذا برز بوضوح في التعليمة الرئاسية التي وقّعها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في ديسمبر الماضي.
وفي معرض ردّه عن سؤال بشأن التحقيقات المتواصلة حول تسيير شركة سوناطراك، اعتبر الأمين العام للحزب التجمع الوطني الديمقراطي أنّ الملف من اختصاص جهاز العدالة وهو من يمتلك صلاحية الخوض فيه. ورفض منطق تجريم إطارات الشركة البترولية قبل ثبوت التهم عليهم.
وقال الوزير الأول الجزائري إنّه طالما العدالة لم تفصل في الملف، فإنّ مبدأ براءة إطارات سوناطراك ما يزال قائما، داعيا الرأي العام لترك المؤسسة القضائية تقوم بعملها، لافتا إلى أنّ شركة سوناطراك لم تتأثر بما هو حاصل، بدليل إبرامها ثلاث اتفاقيات هامة مؤخرا.
وما تزال ما بات يعرف في الجزائر بفضيحة سوناطراط "شركة ضخمة تدير قطاع البترول في الجزائر" تتشعب، حيث فتحت مصالح الأمن الجزائرية المكلفة بالتحقيق في قضايا الفساد بالشركة ملف تكاليف تنظيم قمة الدول المنتجة للنفط "أوبك" المنعقدة نهاية عام 2008 بوهران، حسب ما أوردت الصحافة الجزائرية.
ونقلت صحيفة "الخبر" عن مصدر على صلة بالتحقيق بأن تكاليف إيواء الضيوف وتنظيم المؤتمر شملت بعض المبالغات والتجاوزات القانونية.
وقالت إن المدققين في ملفات التسيير في شركة سوناطراك اكتشفوا أن المسؤولين المركزيين في وزارة الطاقة تجاهلوا توصية أمنية وأخرى إدارية، أوصت بعدم ترقية أحد أبرز المتهمين، "كان يوصف بالرجل القوي في المؤسسة"، إلى درجة أن قراراته كانت غير قابلة للنقض من قبل الرئيس المدير العام السابق، بسبب ضلوعه في قضية سوء تسيير عندما شغل منصب مدير جهوي لحقل حوض بركاوي النفطي.
ورغم هذا تمت ترقية هذا المسؤول الموجود حاليا رهن الحبس. وتشير المعلومات التي أوردتها صحيفة "الخبر" نقلا عن محيط إدارة شركة سوناطراك والمحققين الذين يباشرون التحري حول التجاوزات التي شهدتها الشركة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2009 أن المحققين ذهلوا لضخامة عدد المسيرين والإطارات والموظفين في مختلف فروع شركة سوناطراك الذين قد يستدعون للإدلاء بتصريحاتهم كشهود أو كمشتبه فيهم.
وقال مصدر مقرب من التحقيق بأنه "لا يعتقد بأن المحاكمة ستتطرق لكل ما اكتشفه التحقيق الأمني".
ومن جانب آخر أوردت ذات الصحيفة أن التحقيق شمل، إلى غاية الآن، التسيير في نيابة مديرية النقل عبر الأنابيب في الشركة ونيابة مديرية الإنتاج ونيابة مديرية التسويق، بالإضافة إلى فروع الشركة على غرار مؤسسة الأشغال البترولية الكبرى، ومؤسسة الهندسة المدنية ومؤسسة أشغال الآبار. وفتحت مصالح الأمن، مؤخرا، أربعة ملفات تخص تسيير الشركة، أهمها ملف تكوين كل عمال المجموعة على إجراءات الأمن.
وبخصوص مصاريف قمة الأبك قالت "الخبر إن المحققين والمدققين بدأوا في طلب فواتير قمة الدول المنتجة للنفط في وهران في 17 ديسمبر 2008 ونفقات تنقل وإيواء وإطعام إطارات الشركة خلال هذه الفترة في فندق راق في وهران.
وقد وصفت التكاليف بالمبالغ فيها وتمت دون أي تطبيق لقانون الصفقات العمومية. وتتحرى أجهزة الأمن حول عقود تنقيب عن النفط وأشغال نفطية أخرى تمت مع شركات فرنسية وأمريكية وإسبانية، وكذا عقود اقتناء سيارات وتجهيزات لصالح الشركة، وتسيير شركة "طاسيلي" المختصة في النقل الجوي لعمال سوناطراك.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن أغرب ما لاحظه المدققون في ملفات التسيير من تجاوزات بالجملة في القانون تخص التعيين في المناصب العليا في الشركة، الترقية والعلاوات وصرف المكافآت ومنح التكوين في الخارج وتعويضات مالية أخرى حصل عليها إطارات الشركة.
وفي سياق متصل، قال وزير الطاقة والمناجم الجزائري شكيب خليل أن لا نية له في الاستقالة من منصبه كوزير لقطاع الطاقة، مشيرا إلى أن التحقيق في قضايا الفساد والصفقات المشبوهة لسوناطراك، لا يملي عليه التنحي لأنه مسؤول على القطاع وليس على تسيير سوناطراك، معتبرا أن إثارة القضية لا يعتبر استهدافا لشخصه، مستبعدا بذلك القراءة القائلة بأن تفجير قضايا الفساد في عدد من القطاعات هو تصفية حسابات وصراع على السلطة.
ورغم التحقيق القضائي، الذي طال أهم شركة جزائرية تقع تحت مسؤوليته، أجاب خليل على استفهامات الإعلام والرأي العام الجزائري، بشأن الفضيحة التي تهز شركة سوناطراك قائلا "لا أرى نفسي أبدا مستهدفا وقضية سوناطراك لا تستهدف شخصي"، مضيفا "أستبعد كلية أن يكون تفجير القضية في الوقت الراهن محاولة لضرب محيط الرئيس بوتفليقة"، معتبرا الحديث عن تصفية حسابات أو صراع في أعلى هرم السلطة خارج النص، خاصة وأن التحقيق القضائي جار والسماع للمتهمين يتم بصفة متواصلة.
وأضاف المسؤول الأول على قطاع الطاقة بالجزائر، ردا على أسئلة الصحافة على هامش اختتام الدورة الخريفية للبرلمان الجزائري "أعترف أنه من غير الطبيعي ومن الغرابة أن تحدث قضايا فساد بهذا الحجم في سوناطراك، دون أن أكون على دراية أو إطلاع بها، موضحا "أنا وزير القطاع، ومسؤول على تسييره، ولست المدير العام لسوناطراك حتى أكون على دراية واطلاع بكل كبيرة وصغيرة عن صفقات هذه الشركة وكيفيات تسييرها"، مشيرا "أنا أسهر على تسيير أزيد من 120 مؤسسة تابعة لقطاع المحروقات ومختلف فروعه".
وعن إمكانية تنحيه من منصبه كوزير للقطاع على وقع التحقيق في عدد من صفقات الشركة الوطنية للمحروقات قال خليل "لن أستقيل، وما الأسباب التي تجعلني أقدم على ذلك إن لم أكن مسؤولا على تسيير سوناطراك، التي يسيرها مدير عام مسؤول مسؤولية كاملة عليها"، مفندا ضمن هذا الإطار ما أذيع عن اعترافات يكون قد أدلى بها المدير العام السابق للشركة محمد مزيان الخاضع للرقابة القضائية، بأنه كان يتلقى الأوامر من وزير القطاع شكيب خليل، وقال "إن مزيان لم يقل أبدا إنه كان يتلقى أوامره مني".


http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=\2010\02\02-06\945.htm&dismode=cx&ts=06/02/2010%2010:04:04%20%D8%B5

0
تقييمك: غير متوفر