الفساد بين مسؤولية الحكومات ومسؤولية المجتمعات العربية ... بقلم : جابر الغاب
غير أنني لاحظت مؤخراً العديد من الكتاب يثيرون مشكلة هذه الآفة (الفساد) بقوة على صفحات العديد من المواقع وكلٍ يتناوله من وجهة نظر مختلفة ويصنف أشكال وأنواع ومظاهر الفساد حسبما يراها.
ولهذا قررت أن أضم قلمي إليهم وأقارب أيضاً هذا الموضوع الذي يؤرق هذه المجتمعات دون إمكانية وضع حدٍ له، ولكن هذه المرة من خلال رؤية قد لا تروق للجميع لأنها قد لا تستثني ربما سوى شرائح ونخب قليلة ، وتتناول الفساد المسلكي البنيوي المتأسس على تربية لاتقل خطرا عن المادي والمالي بل قد تفوقه ...
فكافة من يتابعون قضية الفساد يؤطرونه في الرشوة وسرقة المال العام واستغلال المنصب للكسب والامتيازات وتظبيط أوضاع الأهل والأقارب (على حساب غيرهم) وظيفيا ومادياً، أو وضع الإنسان المناسب في غير مكانه، أو تحكُّم المحسوبية والواسطة والمحاباة والعلاقات الخاصة في التزكية والترشح للمواقع واسناد المناصب لمن لايستحقونها أو تطبيق المعايير المزدوجة والمتعددة ووجود من هم فقط للقيام بالواجب والدفاع عن الأوطان وآخرين فقط لنيل الحقوق والمكاسب ... وما إلى ذلك.
طبعاً هناك أيضاً من يتحدث عن أسباب الفساد وعن الإفساد من زوايا أخرى ويفند ذلك، وأقول أن كل ما كتب في هذا الشأن من مواضيع وتعليقات قد تكون صحيحة، ولكن ما سأضيفه هو أن بعض بذور الفساد (وأقول بعض وليس كل) هي مسؤولية المجتمعات بالكامل لأن غالبية كبيرة من مجتمعاتنا العربية تزرع بذور الفساد وأخطرها في عقول أبنائها منذ الصغر في البيوت ، وإفساد العقول هو الأخطر . وهذا ما سأتعرض له بعيداً عن الأدلجة والتنظير والسياسة والتسييس متوخيا ملامسة الحقيقة ما أمكن ، متحدثاً عن وضع عام شامل وليس حالات خاصة أو استثنائية هنا أو هناك...
ففي مجتمعاتنا العربية عموما ما أن تتفتح مدارك الأبناء حتى يتربوا في البيوت من قبل الاهل وتغرس في عقولهم (عصبيات) الانتماء للعائلة والمذهب والطائفة والعشيرة والحي والمدينة والمنطقة أو العرق (وأؤكد على كلمة عصبيات لأن هنا يكمن بيت الداء وليس في الإنتماء) .... وكلما كبر الأبناء كبرت معهم هذه المعاني وعندما يخرجون للحياة العملية ويبدؤون مشوار الحياة سواء من خلال العمل الحر أو الوظيفة ويحتلون مواقع وظيفية على أي مستوى تنعكس هذه المعاني على ممارساتهم وسلوكهم فهي تربية وتكوين يلازمهم طوال العمر فترى من لا يتقبل الآخر وينظر له بحذر وجفاء واحتراس وعدم ثقة ، ولا يعترف بمؤهلاته ويسعى لإقصائه أو تهميشه لمجرد أنه على سبيل المثال لا ينتمي لبيئته الضيقة سواء كانت المدينة أو المنطقة أو المذهب أو الطائفة ولا يرغب بأن يرى حوله إلا من هو الأقرب لهذه البيئة وكلما ضاقت بيئة الانتماء وتقلصت لمستوى الانتماء للحي أو للعائلة تكون الأمور" أفضل"، وهذه مصيبة تعيشها مجتمعاتنا العربية كلها وإن كان بنسب متفاوتة ...
هذه الثقافة ليست مسؤولية الدولة إنها مسؤولية المجتمع بالكامل وهي أخطر ما يواجهه أي مجتمع لأنها تولد أخطرأشكال الفساد وتقوم على العصبيات التي تؤدي حكماً إلى خلق الشللية (المنظورة والمخفية) في كل مكان وبالتالي حماية ودعم وتزكية وترقية الأشخاص انطلاقاً من هذا المنظور الخطير على حساب الآخرين ومصلحة الوطن دونما أي اعتبار للمؤهلات والكفاءات والمقدرات الشخصية والانجازات وتاريخ الشخص، وبذات الوقت تشويه الآخر الذي لا يروق لمجموعة أو شلة ما وعدم رؤية إلا القذى في عينيه بينما المسيء لا يرى الخشب في عينه.. وقد نرى هنا أن من يحرص على مكافحة الفساد وتطبيق الأنظمة والقوانين والإصرار على ذلك قد يصبح هو الهدف وتفتح عليه أبواب جهنم من المتضررين الذين يريدون حقهم وحق غيرهم وحق الدولة والتهرب من المسؤولية وأداء الواجب، وإن (باعها) كما يقولون بالعامية قد يتهم من قبل البعض بضعف الشخصية والفشل في تحمل المسؤولية، أو قد يكون بذهن البعض من أفاضل وأخيار الناس ومجرد وضعهم أمام مسؤولياتهم تنقلب الصورة مائة وثمانون درجة ويصبح من أشرار الناس.
طبعاً هذا لا يعني أن كل "شلليه" تقوم على المعايير الآنفة الذكر فهناك شلليات تقوم على أساس المصالح والمنافع المتبادلة والالتماسات الشخصية والإستزلام والخدمات الخاصة والرؤى الذاتية غير الموضوعية وتجد أطرافها من ألوان مختلفة من حيث مكان ورقم القيد أو الانتماءات الأخرى. ومن هنا ترى شخصاً فاشلاً حيث كان يعمل لسنين في مكان ما يكافئ بنقله لمكان آخر وتبوأه مناصب عليا وهو لا يحمل أدنى المؤهلات التي يجب أن تتوفر للعمل في هذا المنصب. ويتقدم على أبناء المهنة ومن أمضوا بها عقوداً ومؤهلاتهم أعلى منه من كافة النواحي. وهذا ما يتسبب للآخرين بالإحباط ومن كان منهم جدياً ومنتجاً ربما (يسيبها) ويقول (ما دخلني) وهنا يبدأ التسيب واللامبالاة إزاء الشأن العام وندخل في ثقافة الفساد.
إن من يمارسون هذه الأنواع من الفساد لا ينظرون إلى أنفسهم كذلك على الإطلاق وإن جادلتهم يقولون لك يدنا نظيفة وأبيض من ثلج كانون وهذا ربما يكون صحيحاً مائة بالمائة ولكن هذا لا يعني أنهم بعيدون عن ثقافة الفساد وممارستها إذا ما اعتبرنا المعايير المسلكية والتربوية التي أشرت إليها سابقاً هي معايير فاسدة والعمل ضمنها ومن خلالها هو ممارسة للفساد.. فالفساد ليس تلوث اليد أو إنعدام النزاهة والعفة ماديا فقط وإنما تلوث العقل والذهن والتفكير أيضاً وهذا قد يكون أخطر لأن الأول ينحصر بممارسة أفراد أما الحالة الثانية فتتعلق بتربية مجتمع تبدأ من البيت وإفساد العقول منذ الصغر.. ومن هنا يمكننا القول أن التربية وخلق الإنسان المؤهل والكفء الذي يرى نفسه من خلال الوطن ويتطلع إلى ذاته من خلال المجتمع بكامله هي الأساس ....
والسؤال الأهم والأبرز هنا هل نجحنا في بلداننا العربية ورغم كل خطط التنمية في خلق هذا الإنسان.؟؟؟ أعتقد أن الكثيرين سيقولون كلا، وأقول ربما هناك نجاحاً نسبياً وأؤكد أن هذا الإنسان موجود ولكن على نطاق محدود وضيق ( أو على مستوى نخب)، وقد يكون هو المُهَمش والمُغَيب أو المُحارب... واستكمالاً لذلك أوضح أن بعض الدول العربية (والتي ربما لم تقم بواجبها على أكمل وجه في محاربة الفساد) قد قامت بدورها على أكمل وجه بهدف خلق هذا الإنسان منذ مراحل الطفولة الأولى وانتهاء بالمرحلة الجامعية من خلال المناهج التربوية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية وحتى الجامعية، وكذلك من خلال المناهج التثقيفية التي تبدأ منذ الصغر في منظمات الأطفال ومن ثم منظمات الشبيبة والطلبة في المعاهد والجامعات والمعسكرات، ومن خلال المناهج التثقيفية الإعلامية في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء ومن خلال الأدبيات الحزبية.. ولكن ماذا كانت النتيجة ، وكم هي نسبة النجاح إن وجد ، هذا هو السؤال ؟؟؟
إذاً بعض البلدان العربية قامت وتقوم بكل ذلك وهذا لا يمكن لأحد مهما كان جاحد أن يتنكر له، ولكن رغم ذلك لم تتمكن من خلق هذا الإنسان الذي نطمح له ببنى عقلية وفكرية وثقافية مختلفة لأن الابن أو البنت عندما يعود إلى بيته يكبس أهله في المنزل على زر الشطب (Delete) فينمحي من رأسه كلما دخل إليه في تلك المؤسسات التربوية والتثقيفية سواء كانت المدارس أو المنظمات ويطبعون بدلاً عنها ما ورثوه من ثقافة ومفاهيم وعقائد وتقاليد متوارثة جيل عن آخر وهكذا تجدد التربية نفسها في الأجيال المتعاقبة ، وهنا تكمن الكارثة.
ومن هنا يمكن القول أن مسؤولية الفساد لا تقع كلها على الدولة ..فهناك جانب منه بالتأكيد من مسؤولية الدولة ويتحمله المسؤولون لاسيما أولئك الذين لا يعرفون إلا من يحيط بهم فقط ولا يحرصون أو يسعون لمعرفة الآخرين من خلال الاجتماعات واللقاءات الرسمية والدورية والنقاشات الحرة ة والصريحة التي تدور خلالها ويكتفون بتقييم الناس والأمور من خلال دائرتهم الضيقة المحيطة بهم والتي بدورها قد تكون مبتلاة بالمفاهيم المنتجة للفساد التي أسلفتها، سواء تلك المتأصلة في التربية أو المكتسبة من خلال المصالح والمنافع والالتماسات ومبدأ (حكلِّي لحكلك) وجانب آخر هو بالتأكيد من مسؤولية المجتمع، ويجب أن تتضافر جهود الطرفين لمكافحة الفساد وثقافة الفساد والإفساد لنتمكن أخيراً من خلق الإنسان المنتمي أولاً وأخيراً وقبل كل شيء للوطن وليس المتعصب لأي انتماء آخر، ويتمتع بحسٍ عالٍ من المسؤولية والشعور بالواجب إزاء الوطن والمجتمع ... ومن هنا يبرز السؤال التالي والأهم أيضاً وهو كيف يمكننا خلق هذا النوع من الإنسان وما هي السبل والوسائل والآليات ، أو بمعنى آخرا لماذا فشلنا في خلق هذا الإنسان على إمتداد الساحة العربية !!! وهذا اعتقد يحتاج إلى حوار ونقاش طويل وواضح وصريح وصادق بهدف تشخيص المرض للقضاء عليه بالعلاج الصحيح وليس الإبتلاء به ولا يجوز ممارسة دور النعامة في هذا الشأن لأن المرض إن استفحل فلا يرحمن أحدا وقد يقضي على المريض ومن يفترض أنه المداوي والمعالج .. ولن أدخل هنا في طرق المعالجة أو التشخيص لأن الغاية في هذا الموضوع ليست هذا...
واستطراداً أشير أن هناك من يجادل أن الفساد الذي هو أحد عناوين التخلف، هو ماركة مسجلة باسم العرب بامتياز، مع أنه منتشر في بلدانٍ عديدة، وعندما تُذَكرهم أن الفساد قائم في أكثر البلدان تقدماً يجيبونك بنعم ولكنها تبقى حالات خاصة واستثنائية وليست حالة عامة أو ثقافة مجتمعية كما بلداننا ومجتمعاتنا العربية، وهؤلاء يقفون حائرين ومتندرين ومتساءلين : لماذا كل نظريات المفكرين والفلاسفة في تطور بنى عقل الإنسان ومفاهيمه لا تنطبق على الإنسان العربي !!!
فالمفكر كارل ماركس يتحدث عن بنى فوقية وأخرى تحتية تتأثر ببعضها جدلياً، بمعنى كلما تطورت البنى التحتية تطورت البنى الفوقية والعكس صحيح. ولكن الإنسان العربي (وأتحدث هنا عموماً) أمتلك كل مقومات البنى التحتية المتطورة والمتقدمة ولكن بقيت بناه العقلية والفكرية تراوح مكانها.
أما المؤرخ (ول ديورانت) في قصة الحضارة فيتحدث عن الفرق بين الحضارة والمدنية. والحضارة بالنسبة له هي الرديف للبنى الفوقية عند كارل ماركس. أما المدنية فهي البنى التحتية.... وحتى إن أخذنا بمفهوم "ول ديورانت" فنجد الإنسان العربي قد تملك كل وسائل المدنية ولكن السلوك الحضاري المتعلق ببنية العقل ونمط التفكير بقي بمنأى عنه (وهنا أتحدث أيضاً بشكل عام).
والأمر نفسه يقاربه المستشرق فيليب حتي فيتحدث عن الحضارة والثقافة، ومفهوم الحضارة عند فيليب حتي هو الرديف للبنى التحتية عند كارل ماركس وللمدنية عند ول ديورانت. أما الثقافة لديه فهي الرديف للبنى الفوقية عند كارل ماركس وللحضارة عند ول ديورانت. أي هي المسألة التي تخص الجانب المتعلق بالعقل والتفكير والقيم والأخلاق والمُثل... وإذا ما اسقطنا هذا المفهوم على مثقفينا العرب فنرى الغالبية الكبرى بينهم واسعة الاطلاع ولديها وفرة من المعلومات في جوانب عديدة ثقافية وفكرية وأدبية وتاريخية وسياسية .. ولكنها بالمقابل لا يمكن وصفها بالمثقفة. فهناك بون شاسع بين الإنسان المثقف والإنسان الواسع الاطلاع .. فحينما يعجز "المثقف" عن التحرر من الموروثات الذهنية والفكرية والعقلية المتخلفة فيبقى مطلعا على العلم والثقافة ولكنه ليس بعالمٍ أو مثقف. ويبقى أشبه بتلك الأشكال البشرية التي تعرض في واجهات المحلات وترتدي أجمل الأزياء وأحدثها ولكنها تبقى أشكالاً جميلةً ليس إلا ، أو كما الورد البلاستيكي منظرا بلا رائحة ....
َفكمْ العرب في ظل هذه البنى العقلية قادرون على مكافحة الفساد ، "والإستثمار" في عقل الإنسان العربي وُبناه الفكرية والثقافية ، فضلا عن الإستثمار في البنى التحتية ؟؟ فالإستثمار الأول هو من يبني الشعوب والبلدان ويصونها ويحافظ عليها وهو الأساس ، أما الإستثمار الثاني فقابل للخراب في أي وقت إن لم يصنه ويحفظه ويحميه الإنسان ، ولكن ليس أي انسان !!!!
وفي المحصلة يمكن القول أن مجتمعاتنا العربية متخلفة ، وأعتقد الجميع متفق على هذا، والعلاقة جدلية بين التخلف والفساد فكل منهما ينتج الآخر فليبدأ كل بتحرير نفسه أولا من كافة أشكال التخلف المنتجة للفساد ، فالبعوض لايولد إلا في المستنقعات ، ويتحمل المثقفون الحقيقيون في هذه المجتمعات المسؤولية الأهم والأكبر في تخليصها من تخلفها ومجتمعاتنا العربية غنية بهؤلاء...







