الجميع.. سواسية أمام الفساد !
وأرجعت الدراسة أهم أسباب تلقي الرشوة إلي انخفاض أجور الموظفين وضعف الرقابة وغياب الضمير. أما الدكتور أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الإدارية، فإنه يري ان العامل الاقتصادي ومرتبات الموظفين ليس السبب الوحيد في انتشار الفساد .. وإن كانت أحد اسبابه. قرأت هذا التقرير في الوفد بينما كنت اتابع دراسة نشرتها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية، عنوانها (حالة الفساد في مصر - تقرير 2008- رؤية استنباطية) من إعداد وتقديم (مريان فاضل). والنتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة هي ان الجميع سواسية امام الفساد وفي الفساد، بمعني انه لا يوجد أي نوع من التفرقة علي أساس الجنس أو الدين أو اللون أو العقيدة السياسية بالنسبة للاشخاص الذين يمارسون الفساد. ورغم توفر عدد من المؤشرات والإحصاءات، في الدراسة المذكورة، التي تشير إلي ان من يحصلون علي الرشوة ينتمون إلي القطاعات الأكثر فقراً في المجتمع، إلا ان التقارير ترصد حالات لاشخاص في أعلي السلم البيروقراطي للجهاز الإداري للدولة.. ضالعين في تلك الممارسات. مثلاً واقعة القبض علي مسئول في أحد صناديق الدعم كان يتلقي رشوة قدرها ألفي جنيه فقط مع ان دخله يتجاوز عشرين ألف جنيه. تؤكد تقارير البنك الدولي ان الفساد يلحق الضرر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث انه يحول مسار الموارد ويؤدي إلي انحراف سير القانون وعدم فاعليته ويضر بسمعة الدولة اقتصادياً. وكنت قد شاركت في مؤتمر للبنك الدولي منذ سنوات، في مراكش وأجمع المشاركون علي انه لا تنمية حقيقية في ظل الفساد. وتقول دراسة الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية انه يجب النظر إلي تكلفة الفساد (يجري إهدار ملايين الجنيهات في كل حادثة فساد) ومدي تأثيره علي جذب الاستثمارات وعلي مصلحة الاقتصاد الوطني في مجمله، حيث تضطر الشركات التي تريد استثمار أموالها إلي دفع رشاوي وعمولات. وكانت صحيفة (فاينانشيال تايمز) البريطانية قد كشفت ان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي وجهت تحذيرا للحكومة البريطانية بسبب تهاونها في مواجهة عمليات الفساد والرشاوي التي تقوم بها الشركات الإنجليزية لتقوم بمشروعات في الشرق الأوسط. وتقول دراسة (حالة الفساد في مصر) ان هذا الفساد ينتشر في كافة القطاعات الحكومية. وتضيف ان أعلي القطاعات فساداً في الدولة قطاع وزارة الداخلية والصحة والتجارة والصناعة والتعليم ! ففي الوزارة الأولي ـ مثلاً ـ يوجد ما يقرب من 97 واقعة فساد ـ بمختلف انواعه وتصنيفاته ـ في فترة ثلث عام جري التنويه عنها في الصحف! وحسبما جاء في تقارير الرصد التي قامت بها الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية، فان الفئات التي ينتشر بينها الفساد أكثر من غيرها هي ـ بوجه عام ـ رجال السياسة ورجال الأعمال وكبار البيروقراطيين وحظي البيروقراطيون بأعلي نسبة بين تلك الفئات!. وتعتبر الدراسة ان المجاملات والواسطة والمحاباة والمحسوبيات من ضمن مظاهر الفساد إلي جانب المخالفات المالية والإدارية والقانونية وإهدار المال العام والتلاعب والتزوير والنصب. والواضح ان دولة احترام القانون وسيادته مازالت غير متأصلة في ممارسات الأفراد. كما ان ضعف أداء الدولة يعود إلي ضعف إدارة الحكم، خاصة تلك التي تتعلق بالمساءلة العامة. وتنتقد الدراسة تحول المحافظات إلي عزب أو(كانتونات) للحزب الحكم. وهناك وقائع تبدو بسيطة، ولكنها هامة في دلالتها، مثل قيام الحزب الوطني في المنيا بالاستيلاء علي مقرات لأربع مدارس حكومية لعقد مؤتمره السنوي، بالاضافة إلي الاستيلاء علي أراضي الدولة بأبخس الأثمان، والتي تعطي امتيازاً لمن معه بطاقة عضوية الحزب!. وهناك تصنيفات في تقارير وزارة الدولة للتنمية الإدارية للفساد.. حيث يجري تقسيمه إلي فساد للكبار وفساد للصغار، وتفريق دماء ضحايا الفساد بين فاسد كبير وفاسد صغير. وتركز التقارير الحكومية علي إدانة سلوك المواطنين الذين يلجأون ـ من أجل قضاء مصالحهم ـ إلي الرشوة والوساطة والمحسوبية حتي من أجل طلب خدمات مشروعة أو لتفادي عقاب موقع عليهم من جانب الإدارة. وتتجاهل تلك التقارير أن )فعل( الرشوة له طرفان: من يعرض الرشوة، ومن يطلبها. والجزء الأكبر من الوقائع التي رصدتها تقارير )الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية( يوضح ان طلب الرشوة يشكل النسبة الغالبة في جرائم الرشوة... فلا يمكن ان يتطوع المواطنون العاديون بعرض رشوة ما لم يلمس وجود نية لقبولها أو تلميح بانتظار دفعها لضمان قضاء المصلحة. في تقارير التنمية البشرية للبرنامج الانمائي للأمم المتحدة اشارة واضحة وقاطعة إلي حاجة المنطقة العربية إلي الشفافية والمحاسبة. ذلك ان غياب الحرية والحكم الرشيد يؤدي إلي تفاقم عجز القدرات البشرية، كما ان إنكار حق المواطنين في الحصول علي المعلومات من (ثوابت) الأمة العربية!. والمبدأ السائد هو الحظر، وليس الإباحة. ومن هنا يتحدث تقرير البرنامج الانمائي عن (دول الثقب الأسود)، وهو الثقب الذي لا يستطيع أحد الإفلات منه لحظة الدخول في مداراته. ولذلك يوجد في دول، مثل دولنا، ما يسمي (الفساد المسكوت عنه) ففي ظل حظر النشر أو التعتيم، يمكن السماح للانصار المقربين باستغلال مناصبهم في الاثراء غير المشروع. والفساد أنواع: فهنال الفساد السياسي والفساد الإداري.. وكلها تعوق نمو المجتمعات وتنتهي بتدميرها.








